نورُ العِلمِ إلى بابِك
علوم الحديث

كيف أبدأ في علم الحديث؟ ترتيب الكتب من المبتدئ إلى المتقدم

خمس درجاتٍ خشبية تحت قوسٍ مغربي بين جدارين من الزليج، على كل درجةٍ كتبٌ واسم مرحلة: منهج المحدثين، المصطلح، كتب السنة، الأسانيد والتخريج، علم العلل، تصلها سلسلةٌ ذهبية صاعدةٌ إلى فانوسٍ نحاسي يضيئها من أعلى

أيُعقَل أن يقف امرؤٌ حائرًا بين النبيِّ ﷺ ومُسيلمة؟ ذلك حالُ من حار بين العالِم والمتعالِم، وإن لم يشعر.

فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء، وحقيقٌ أن يكون المتعالمون ورثةَ مدّعي النبوّة. فمن تحيّر بينهما فقد تحيّر بين النبيِّ ﷺ ومسيلمة، ومن اغترّ بزخارف قول المتعالِم فقد اغترّ بمخاريق مسيلمة وأحواله، ومن التبس عليه كلامُ العالِم بكلام المتعالِم فقد التبس عليه وحيُ الله بوحي الشياطين؛ فلا يرى بينهما فرقًا، بل يتلمّس أوجه الشبه.

وكما أن النبوّة لا يدّعيها إلا أصدقُ الناس أو أكذبُهم، فكذلك العلم: لا يدّعيه إلا أصدقُهم أو أكذبُهم. فمن حار في الفرق بين أصدق الناس وأكذبهم، فهو الحيرانُ حقًّا.

والفرقُ بين الصادق والكاذب تدركه الفِطَر، وتهتدي إليه العقول، وتلمحه المدارك؛ فكيف يخفى الفرق بين أصدق الصادقين وأكذب الكاذبين؟!

كلا؛ ليست المسألة غامضة، بل هي من أبين ما يكون لمن صدقت نيّته في طلب الحق، وبذل فيه وُسعه. وإنما يأتي الخلل من أحد بابين: هوًى متّبَعٍ يعظّم في العين من وافقه، أو تفريطٍ يقعد بصاحبه عن اجتهادٍ واجبٍ عليه، وبحثٍ هو في مقدوره.

فالحقُّ لا يحتجب عن طالبه، وإنما يحتجب الطالبُ عن الحق.

من أين يبدأ الطريق؟

ومن هذا الباب يدخل طالب الحديث: فعلمُ الحديث كلُّه جوابٌ عن سؤالٍ واحد: كيف نميّز ما قاله رسول الله ﷺ ممّا نُسب إليه ولم يقله؟ وقد قال بعض السلف: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم». فمن عرف كيف يُنقد الخبر، عرف كيف يُنقد المخبِر، ولم تخدعه فصاحةٌ ولا كثرة أتباع.

لكنّ الطالب المبتدئ يقف أمام رفوف الحديث حائرًا: متونٌ ومنظومات، وشروحٌ وحواشٍ، ومصطلحاتٌ لا يعرف أولها من آخرها. وأكثر من ينقطع في هذا الطريق لا ينقطع لصعوبته، بل لأنه بدأ من آخره.

والجواب باختصار: يبدأ طالب الحديث بفهم منهج المحدّثين وسبب الثقة بنقلهم، ثم يضبط المصطلح في متنٍ مختصرٍ وشرحه، ثم يقرأ كتب السنة نفسها ويفهمها، ثم يتعلّم قراءة الأسانيد وتخريج الأحاديث، وينتهي إلى علم العلل، وهو أدقّ علوم الحديث. خمس درجات، لكل درجةٍ كتبها، ولا تُرقى درجةٌ قبل التي تحتها.

الدرجة الأولى: لماذا نثق بنقل المحدّثين؟

قبل أن تحفظ تعريف الصحيح والحسن والضعيف، اعرف لماذا وُضعت هذه التعريفات أصلًا. فالمصطلح بلا منهج قوائمُ تُحفظ وتُنسى، والمنهج يجعل كل مصطلحٍ جوابًا عن سؤال.

وأنفع ما يُقرأ في هذه الدرجة كتاب «الفكر المنهجي عند المحدثين» للدكتور همّام عبد الرحيم سعيد: كتابٌ في منهج المحدّثين لا في تفاصيل مصطلحهم. يبدأ بمفهوم السنة وحجّيتها، ثم يتتبّع المنهج من زمن الصحابة: كتابة الحديث، ونقد المتن، ونشأة العناية بالإسناد، ثم يعرض الجرح والتعديل وشروط قبول الخبر وعلم العلل، ويخصّ نحو ثلثه بمناهج أصحاب الكتب المشهورة: الموطأ والصحيحين والسنن الأربع. فإذا فرغت منه، عرفت أن الإسناد علمٌ لا عادة.

ومن بلغته الشبهات حول السنة قبل أن يبلغه علمها، فليقدّم عليه رسالة «أفي السنة شك؟!» لأحمد بن يوسف السيد، فهي تثبّت الأصل قبل البناء عليه.

الدرجة الثانية: المصطلح في متنٍ مختصر

ثم يضبط الطالب ألفاظ أهل الصنعة: الصحيح والحسن والضعيف، والمرفوع والموقوف والمقطوع، والمتّصل والمرسل والمنقطع، والشاذّ والمعلّ. ومن المناهج المتداولة عند أهل العلم في المغرب أن يتدرّج فيه على ثلاث مراحل:

  • «المنظومة البيقونية» مع شرحٍ لها كشرح الزرقاني: منظومةٌ قصيرة في أبياتٍ معدودة، تجمع أشهر الأنواع.
  • ثم «نخبة الفكر» لابن حجر مع شرحه هو عليها «نزهة النظر»: متنٌ نثريٌّ محكم الترتيب، يبني الأنواع بعضها على بعض.
  • ثم «ألفية العراقي» مع شرح ناظمها، ثم مع «فتح المغيث» للسخاوي: وهنا يتّسع الطالب في المصطلح وأقوال أهله وأمثلته.

وهذه متونٌ تجد مكانها في قسم علوم الحديث من دليل العلوم، تحت «علم المصطلح». والقاعدة فيها: احفظ المتن القصير، وافهم شرحه، ولا تنتقل إلى الأطول حتى تستطيع أن تشرح الأقصر بلسانك.

الدرجة الثالثة: كتب السنة نفسها

ولا يكون المرء محدّثًا بحفظ المصطلح وحده؛ فالمصطلح آلة، والغاية حديث رسول الله ﷺ نفسه. فيقرأ الطالب مع المصطلح متون السنة وما يُستنبط منها، ومن الترتيب المتداول في ذلك: «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام من الصحيحين، ثم «بلوغ المرام» لابن حجر، ثم «الموطأ».

و«الموطأ» للإمام مالك بن أنس كتابُ أهل المغرب خاصّة: من أوائل ما دُوّن من كتب السنة مرتّبًا على أبواب الفقه، جمع فيه إمام دار الهجرة الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، وأتبع كثيرًا منها بقوله: «الأمر عندنا» و«أحسن ما سمعت»، وهو أصل المذهب المالكي الذي عليه أهل البلد. فمن قرأه رأى الحديث والفقه في كتابٍ واحد، كما كانا في أوّل أمرهما.

وأما من أراد الحديث لقلبه قبل صناعته، فليبدأ بـ«رياض الصالحين» للإمام النووي: أحاديث صحيحة واضحة، مرتّبة على أبواب الآداب والأخلاق والعبادات. ومن أراد شرحًا ميسّرًا لأحاديث بابٍ واحد، وجد في «أحاديث الإيمان» للشيخ عبد الرزاق البدر ثلاثين مجلسًا، في كل مجلسٍ حديثٌ نبويٌّ في الإيمان تُشرح معانيه وتُستخرج فوائده.

الدرجة الرابعة: قراءة الأسانيد وتخريج الأحاديث

فإذا عرف الطالب المصطلح وقرأ المتون، انتقل من الحكم الجاهز إلى صناعته: أن يرى الإسناد فيعرف رجاله، وأن يجد الحديث فيعرف من رواه من الأئمة وبأيّ طريق.

وأوّل ما يفتح له هذا الباب «تسهيل معرفة الأسانيد» لأحمد بن يوسف السيد: يعرّفه بستّةٍ من الرواة الجامعين الذين تدور عليهم طرق الحديث الصحيحة، لكل راوٍ بابٌ في شيوخه وأصحابه ومراتبهم، مع مشجّراتٍ ترسم الأسانيد. فيتحوّل الإسناد عنده من قائمة أسماءٍ تُحفظ إلى خريطةٍ تُفهم.

ثم يرى التخريج في كتابٍ تطبيقيٍّ كامل: «التحجيل في تخريج ما لم يخرّج في إرواء الغليل» للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، يخرّج فيه الأحاديث والآثار التي أوردها صاحب «منار السبيل» ولم يخرّجها الألباني في «إرواء الغليل»، على أبواب الفقه من الطهارة إلى الشهادات: يذكر موضع الخبر، ثم يسوق طرقه، ثم يحكم عليه. فيتعلّم الطالب منه الطريقة قبل النتيجة.

ومن أحبّ أن يرى نقد الأسانيد في غير أحاديث الأحكام، فليقرأ «التقرير في أسانيد التفسير» للمؤلّف نفسه: كتابٌ صغير يبيّن كيف نظر النقّاد في أسانيد التفسير عن الصحابة والتابعين، كابن عباس ومجاهد، ولماذا لم يعاملوها معاملة أحاديث الحلال والحرام. وهذه كلها كتبٌ تجدها على رفّ التخريج ودراسة الأسانيد في دليل العلوم.

الدرجة الخامسة: علم العلل

وفي أعلى السلّم علمُ العلل: أن يكون الإسناد ظاهره الصحّة، ثقاتٌ عن ثقات، ثم يكشف الناقد فيه خطأً خفيًّا لا يراه إلا من جمع الطرق ووازن بينها. وهو أدقّ علوم الحديث، ولا يدخله إلا من صعد ما قبله.

وفيه كتابٌ يصل العلم بالعمل: «علل أحاديث الأحكام (الطهارة)» للشيخ الطريفي، في 149 حديثًا من أحاديث الطهارة التي هي أصلٌ في بابها، تدور عليها مسائل الفقه في المذاهب الأربعة. يسوق الحديث وطرقه، ثم كلام الأئمة النقّاد فيه، ثم يبيّن مقدار العلّة وأثرها في الحكم، ويقرّر أنه لا يلزم من ضعف الحديث على طريقة النقّاد ضعفُ العمل به. وتجده على رفّ علم العلل في دليل العلوم.

كيف تصعد هذا السلّم؟

  • قبل هذا كلّه: حفظ كتاب الله، فهو الأصل الذي تُخدم به السنة ولا يُستغنى عنه.
  • لا تقفز درجة: من قرأ العلل قبل المصطلح حفظ أحكامًا لا يعرف كيف بُنيت.
  • احفظ القصير وافهم الطويل: المتن المختصر يُحفظ، والشرح الطويل يُفهم ويُراجع.
  • اقرأ على شيخٍ متى وجدته: فالكتاب يعطيك العلم، والشيخ يعطيك طريقة النظر فيه، ويصحّح لك ما فهمته خطأً.
  • لا مشاحّة في الكتب: هذا السلّم ليس قيدًا؛ فمن وجد كتابًا يماثل كتابًا ويساويه أبدله به، والمهمّ الترتيب لا الأسماء.

لمن هذا الطريق؟

هو لكل مسلمٍ يريد أن يعرف كيف حُفظ حديث نبيه ﷺ، فلا يقبل كل ما يُنشر باسمه ولا يردّ ما صحّ عنه. وهو للشابّ الذي يسمع كل يوم «هذا حديث صحيح» و«هذا حديث ضعيف» ولا يدري من أين يُعرف ذلك، وللأب والمربّي يريدان أن يعلّما أبناءهما الحديث على بصيرة، ولطالب العلم في أوّل الطريق يريد خريطةً قبل أن يمشي. ومن لم يرد أن يصير محدّثًا، كفاه أن يصعد الدرجتين الأوليين، فيعرف بهما العالِم من المتعالِم.

أسئلة شائعة

هل أبدأ بمصطلح الحديث أم بكتب السنة؟ ابدأ بفهم منهج المحدّثين، ثم اجمع بين متنٍ مختصرٍ في المصطلح وقراءة كتب السنة معًا؛ فالمصطلح آلةٌ لفهم الحديث، لا بديلٌ عن قراءته.

ما أسهل كتابٍ في علم الحديث للمبتدئين؟ في المنهج: «الفكر المنهجي عند المحدثين» للدكتور همّام عبد الرحيم سعيد. وفي المصطلح: «المنظومة البيقونية» مع شرحٍ مختصر لها. وفي متون السنة لعموم المسلمين: «رياض الصالحين» للإمام النووي.

ما الفرق بين التخريج وعلم العلل؟ التخريج أن تعرف من روى الحديث من الأئمة وبأيّ إسناد، ثم تحكم عليه بحسب رجاله واتّصاله. وعلم العلل أدقّ منه: أن تكشف خطأً خفيًّا في حديثٍ ظاهر إسناده الصحّة، بجمع طرقه والموازنة بينها.

هل أحتاج إلى شيخٍ لأتعلّم علم الحديث؟ القراءة على شيخٍ أكمل وأسلم، خاصّةً في المتون المحكمة والدرجات العليا. فإن لم تجده، فاقرأ بالترتيب، وكرّر المتن بشروحٍ مختلفة حتى ترسخ معانيه، واسأل أهل العلم عمّا أشكل عليك.