مصابيح على الطريق: أعلامٌ من الغرب اهتدوا إلى الإسلام
كثيرٌ ممن اعتنقوا الإسلام من أهل الغرب دخلوه من باب الكتاب قبل أن يدخلوا المسجد. صحفيٌّ يسافر، ودبلوماسيٌّ يتأمل، ورسّامٌ يعشق الصحراء، وعالمُ رياضياتٍ يجادل؛ اختلفت بهم الطرق، واجتمعوا عند نورٍ واحد.
في هذه المقالة نروي قصص ثمانية أعلامٍ من الغرب، بينهم مستشرقون ومفكرون وأدباء، عاشوا في القرنين التاسع عشر والعشرين، اهتدوا إلى الإسلام عن بحثٍ وتأمل، ثم كتبوا عن رحلتهم كتباً ما زالت تُقرأ إلى اليوم، وصارت من عيون ما يُقرأ في أدب المهتدين إلى الإسلام. ولعل هذا يذكّرنا بقول الله عز وجل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
محمد أسد: الصحفيُّ الذي وجد الطريق إلى مكة
وُلد ليوبولد فايس سنة 1900 في مدينة لِمبرغ، لأسرةٍ يهودية نمساوية. عمل مراسلاً صحفياً في الشرق في عشرينيات القرن الماضي، فرأى في حياة المسلمين سكينةً افتقدها في أوروبا المثقلة بالقلق.
أسلم في برلين سنة 1926، وتسمّى محمد أسد. عاش سنواتٍ في جزيرة العرب، ثم في باكستان التي مثّلها في الأمم المتحدة. وتوفي سنة 1992، ودُفن في غرناطة.
أهم مؤلفاته:
- «الطريق إلى مكة» (1954)، سيرته ورحلته إلى الإسلام، بترجمة عفيف البعلبكي.
- «الإسلام على مفترق الطرق» (1934)، بترجمة عمر فرّوخ.
- «رسالة القرآن» (1980)، ترجمةٌ لمعاني القرآن وتفسيرٌ بالإنجليزية.
- «منهاج الحكم في الإسلام».
مراد هوفمان: السفير الذي اختار الإسلام بديلاً
وُلد سنة 1931 في ألمانيا، ودرس القانون ثم سلك طريق الدبلوماسية. عمل في الجزائر في أواخر حرب التحرير، فرأى من صبر المسلمين وثباتهم ما دفعه إلى قراءة القرآن.
أعلن إسلامه سنة 1980، وهو في أوج مسيرته المهنية. ثم صار سفيراً لبلاده في الجزائر، ثم في المغرب، فعاش بيننا سنواتٍ مسلماً بين مسلمين. توفي سنة 2020.
أهم مؤلفاته:
- «يوميات ألماني مسلم»، سجّل فيه خواطره والطريق الذي ساره إلى الإيمان.
- «الإسلام كبديل»، وقد أثار ضجةً كبيرة في ألمانيا عند صدوره.
- «الإسلام في الألفية الثالثة».
كتب بلغة العقل الأوروبي الذي يعرفه، فقرأه قومه بلغتهم، ووجد فيه القارئ العربي شاهداً من أهل الدار.
عبد الله كويليام: من رحلةٍ إلى المغرب إلى مسجدٍ في ليفربول
كان ويليام هنري كويليام محامياً إنجليزياً من ليفربول، وُلد سنة 1856. زار المغرب سنة 1887، فشدّه ما رآه من صلاة المسلمين وخشوعهم، فعاد إلى بلاده مسلماً وتسمّى عبد الله.
في سنة 1889 أسّس «معهد ليفربول الإسلامي» ومسجده، وهو من أوائل المساجد في إنجلترا. وأسلم على يديه عددٌ من أهل مدينته. توفي سنة 1932.
أهم مؤلفاته:
- «عقيدة الإسلام»، رسالةٌ موجزة عرّف فيها قرّاء الإنجليزية بأصول الدين، ولقيت انتشاراً واسعاً في زمانها.
ويسرّ القارئ المغربي أن هدايته بدأت من أرض المغرب.
ناصر الدين دينيه: ريشةٌ فرنسية في رمال بوسعادة
وُلد ألفونس إتيين دينيه في باريس سنة 1861، وكان رسّاماً شغفته الصحراء الجزائرية. استقر في بوسعادة، وعاش بين أهلها وتعلّم لسانهم، حتى صار واحداً منهم.
أعلن إسلامه سنة 1913، وتسمّى ناصر الدين. حجّ بيت الله سنة 1929، وتوفي في العام نفسه، ودُفن في بوسعادة كما أوصى.
أهم مؤلفاته (كتبها مع صديقه سليمان بن إبراهيم):
- «محمد رسول الله ﷺ»، سيرةٌ زيّنها بلوحاته.
- «الشرق كما يراه الغرب»، ردٌّ على ما شاع في كتب المستشرقين من تشويه.
- «الحج إلى بيت الله الحرام»، رحلته إلى مكة، صدرت بعد وفاته.
رسم الناس بالألوان أولاً، ثم دافع عن دينهم بالقلم.
مارمادوك بكتال: الروائيُّ الذي خدم معاني القرآن
وُلد في لندن سنة 1875، وكان روائياً ورحّالةً جاب الشام ومصر وتركيا، وأتقن العربية. أعلن إسلامه سنة 1917، وانصرف بعدها إلى خدمة دينه خطيباً وكاتباً.
انتقل إلى الهند وعمل في حيدر آباد، وهناك أتمّ عمله الأكبر. توفي سنة 1936.
أهم مؤلفاته:
- ترجمة معاني القرآن بالإنجليزية The Meaning of the Glorious Koran (1930)، وهي من أوسع الترجمات انتشاراً إلى اليوم.
ومن لطائف عمله أنه سمّاها «معاني» لا «قرآناً»، إدراكاً منه أن كلام الله لا يُترجَم، وإنما تُنقل معانيه.
عبد الكريم جرمانوس: مستشرقٌ درس الإسلام فأسلم
وُلد جولا جرمانوس في بودابست سنة 1884، وصار من كبار المستشرقين المجريين وأساتذة اللغات الشرقية. بدأ دارساً للإسلام من الخارج، ثم انتهى به البحث إلى الإيمان.
أسلم في الهند في مطلع الثلاثينيات، وتسمّى عبد الكريم. ثم حجّ سنة 1935، وكان من أوائل الأوروبيين الذين دوّنوا رحلة الحج مسلمين. توفي سنة 1979.
أهم مؤلفاته:
- «الله أكبر»، رحلته إلى مكة والمدينة، تمتزج فيها دقةُ العالم بحرارةِ المؤمن.
كان جرمانوس شاهداً على أن التعمّق الصادق في الإسلام قد يفتح لصاحبه باب الهداية.
مريم جميلة: من نيويورك إلى لاهور
وُلدت مارغريت ماركوس سنة 1934 في نيويورك، لأسرةٍ يهودية. قرأت معاني القرآن والسيرة النبوية في شبابها، وراسلت أبا الأعلى المودودي، فكانت رسائله لها دليلاً في الطريق.
أسلمت سنة 1961 وتسمّت مريم جميلة، ثم هاجرت إلى لاهور سنة 1962، وعاشت هناك بقية عمرها. توفيت سنة 2012.
أهم مؤلفاتها:
- «الإسلام في مواجهة الغرب»، نقدٌ صريح للحضارة الغربية الحديثة من امرأةٍ نشأت في قلبها.
كتبت مريم بصوت من عرف الطريقين، فاختارت أحدهما عن بيّنة.
جيفري لانغ: عالم الرياضيات الذي حاوره القرآن
وُلد سنة 1954 في الولايات المتحدة، ونشأ كاثوليكياً ثم ترك الإيمان في شبابه. صار أستاذاً للرياضيات في جامعة كانساس، لا يقبل إلا ما يقوم عليه الدليل.
ويروي أنه حين قرأ القرآن وجد كتاباً يستبق أسئلته ويحاور عقله. فأسلم في أوائل الثمانينيات.
أهم مؤلفاته:
- «الصراع من أجل الإيمان» (1994)، قصة هدايته.
- «حتى الملائكة تسأل» (1997)، عن الأسئلة الكبرى التي يحملها المسلم الجديد والشاب المسلم في الغرب.
وكتبه من أقرب هذه الكتب إلى شباب اليوم، فهي تخاطب العقل بلغة عصره، وتجيب عن أسئلته بهدوءٍ ويقين.
خاتمة: نورٌ واحد، وطرقٌ شتّى
اختلفت بلدان هؤلاء المهتدين ومهنهم، وجمعهم صدقٌ في البحث، وكتابٌ فتحوه بقلوبٍ منصفة. فكان القرآن مفتاحهم جميعاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83].
وفي كتبهم درسٌ لنا نحن أيضاً: أن نرى ديننا بعيونٍ جديدة، كما رآه من بحث عنه طويلاً حتى وجده. وهي شهاداتُ رحلةٍ وتجربة، لا مراجعُ في العقيدة والفقه؛ فيُؤخذ منها العبرة، ويُؤخذ العلم من أهله.
ولمن أراد أن يبدأ، فكتاب «الطريق إلى مكة» لمحمد أسد خيرُ مدخلٍ إلى هذه الرحلات، ومن قرأه طلب ما بعده.
والمتأمل في سِيَر هؤلاء لا يملك إلا أن يقول: سبحان من يهدي من يشاء ويُضلّ من يشاء. فكم من محاربٍ للإسلام أخرجه الله من الظلمات إلى النور! وكم ممن سلك طريقه، وآتاه الله العلم، ثم انقلب على عقبيه!
فالهداية مِنّةٌ من الله، والثبات عليها نعمةٌ تُطلب. نسأل الله الثبات حتى نلقاه، وندعوه بما علّمنا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].