قراءات ومراجعات

أفي السنة شك؟! حين يصير الدليلُ نفسُه محلَّ اعتراض

غلاف كتاب أفي السنة شك؟! — تأليف أحمد بن يوسف السيد، نشر دار منار الفكر

تخيّلْ عالـِماً يُسأل عن حكمٍ شرعيّ، فيسوق آيةً من كتاب الله، أو حديثاً صحيحاً عن رسوله ﷺ، أو يحكي اتّفاق أهل العلم؛ فلا يزيد السائلَ ذلك إلا اعتراضاً: «على فهم مَن؟»، «وهذا حديثُ آحاد»، «وأولئك رجالٌ ونحن رجال». ذلك هو السؤالُ الذي يَنهض له كتاب «أفي السنة شك؟!» لأحمد بن يوسف السيد: رسالةٌ مختصرةٌ تُقيم البرهان على حجّية السنة النبوية، وتردّ أصول الشبهات المثارة حولها، بلغةٍ تخاطب غير المتخصّص قبل المتخصّص.

وليست المسألة ترفاً يُتفكّه به في مجالس النظر؛ فالسنة هي البيانُ الذي لا يقوم فهمُ القرآن إلا به، وقد قال فيها رسولُ الله ﷺ: «ألا إنّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه». فإذا تزحزحت هذه الدعامة، تزحزح معها بناءٌ كامل.

لماذا صار الدليلُ نفسُه محلَّ اعتراض؟

ثمّة تحوّلٌ هادئٌ يرصده الكتاب في مفتتحه: أنّ ما كان يُسكِت السائلَ بالأمس صار اليوم يفتح عليه باب الأسئلة. يصف المؤلف ذلك فيقول إنّ الإجابة بالآية والحديث والإجماع «صارت مَحلَّ اعتراضٍ — عند شريحةٍ من الناس — في هذه المرحلة الزمنية التي نعيشها، إذْ لم يَعُد كافياً عندهم مجرّدُ ذكر آيةٍ أو حديثٍ أو إجماع، ففي الآية يعترض أحدُهم بقوله: على فهم مَن؟ وفي الحديث يعترض الآخر بأنّ هذا من أخبار الآحاد… وفي الإجماع يقول: هم رجالٌ ونحن رجال!».

فالعِلّة إذن ليست في ضعف الدليل، بل في فقدان الثقة بطريق وصوله. ومن هنا تنشأ الحاجة: لا إلى مَن يَسرُد الأدلّة، بل إلى مَن يَبني الثقة بها من جديد، ويُحاجّ المعترضَ ببرهانٍ لا باستثارة.

كيف يُقيم الكتابُ برهانه؟

لا يَنثر المؤلف ردوداً متفرّقةً على كلّ شبهةٍ بعينها، بل يَبني بناءً منظَّماً على محورين، صرّح بهما في مقدّمته:

أمّا الأول فإقامةُ البرهان على حجّية السنة في ذاتها وفي امتدادها التاريخي، ويسلك إليه ثلاث طرق: يوثّق أوّلاً مراحل العناية بالسنة، وأنّها عنايةٌ ابتدأت من زمن النبيّ ﷺ ولم تنقطع حتى دُوِّنت في الكتب المشهورة وإلى يومنا؛ ثم يُثبت حجّيتها من الكتاب والسنة والإجماع، مع العناية ببيان وجوه الدلالة لا مجرّد السرد؛ ثم يُثبت كفاية علم الحديث وموضوعيّته، «وأنّه ميزانٌ عادلٌ لتقييم الأخبار المنقولة عن النبيّ ﷺ صحّةً وضعفاً» — وهي الطريق التي قصدها لمن يزعم أنّه لا يردّ السنة لذاتها، بل لأنّه لا يثق في طريقة نقلها.

وأمّا الثاني فالإجابةُ عن أصول الإشكالات المثارة حول حجّيتها. وهنا لطيفةٌ منهجية: لا يتتبّع المؤلف آحاد الشبهات في كثرتها المتفرّقة، بل ينظر إلى أصولها فيناقشها نقاشاً كلّياً، ثم يُمثّل ويحلّ. وبذلك يَكفيك أصلاً واحداً عن عشرات الفروع.

ما الذي يميّزه؟

وتلك مزيّتُه الأولى: أنّه يَجمع ما يندر اجتماعه — الإيجازَ والشمول. كتابٌ صغيرُ الحجم، لكنه يَعرض القضية من جذرها، ويخاطب به المؤلفُ القارئَ العاديّ من غير أن يُسقِط طالبَ العلم. وهو لا يَستجدي العاطفة ولا يكتفي بشحذ الحماسة، بل يَضع بين يديك برهاناً تُحاجّ به وتطمئنّ إليه. فمن أراد مدخلاً متيناً إلى مسألةٍ كبرى من غير أن يَغرق في تفاصيل المتخصّصين، وجد فيه بُغيته.

لمن هذا الكتاب؟

هو كتابٌ لكلّ مسلمٍ بلغه طرفٌ من هذه الشبهات فاضطرب، أو سمعها تُلقى على شابٍّ قريبٍ منه فلم يَدرِ بمَ يُجيب. وهو كتابٌ للأب يخشى على ابنه من سيول الأسئلة، وللمعلّم يُربّي جيلاً يُساءل كلَّ شيء، ولطالب العلم يريد أن يُحكِم الأصلَ قبل أن يخوض في الفروع. وما أحوجَ بيوتَنا اليوم إلى كتابٍ يُعيد للسنة مكانتها في القلب قبل العقل، ويُعلّم صاحبَه كيف يُحاوِر لا كيف يَنفعل.

لماذا تقرؤه؟

تقرؤه لأنّه يُحوّل الشبهة من تهديدٍ يُقلق إلى سؤالٍ يَفتح باب اليقين. ولأنّه يُعلّمك أن تُفرّق بين مَن يردّ السنة وبين مَن يَستشكل طريقَ نقلها، فلكلٍّ جوابُه. ولأنّ المؤلف يرى في زحام الأسئلة فرصةً لا محنة؛ يقول: «وهذا مما يزيد التحدّي، ويبعث روح التأمّل والتفكّر، ويشجّع على البحث والتنقيب، وينشّط العقول لمواجهة سيول الأفكار وتساؤلات الجيل».

فإذا فرغتَ منه، لم تَخرُج بردٍّ على شبهةٍ واحدة، بل بأصلٍ تَرُدّ به الشبهات، ويقينٍ تَلقى به السائل. نسأل الله أن ينفع به كاتبَه وقارئَه.

أسئلة شائعة

ما موضوع كتاب «أفي السنة شك؟!»؟ هو رسالةٌ مختصرة تُثبت حجّية السنة النبوية وكونَها مصدراً للأحكام والتصوّرات الشرعية، وتردّ أصول الشبهات المثارة حولها بالدليل والبرهان.

هل الكتابُ موجَّهٌ إلى المتخصّصين؟ كُتب أوّلاً بلغةٍ ميسَّرةٍ تخاطب غير المتخصّص، غير أنّه يفيد طالبَ العلم أيضاً، لأنّه يَعرض القضية من أصولها لا من فروعها المتفرّقة.

بمَ يمتاز عن غيره من كتب حجّية السنة؟ بالجمع بين الإيجاز والشمول، وبالاحتجاج بالبرهان لا بالاستثارة، وبمناقشة أصول الإشكالات نقاشاً منهجياً كلّياً بدل تتبّع آحادها.